ماذا لو كان طموحك ليس طموحك أصلًا؟
تخيّل شخصًا يعمل منذ سنوات من أجل وظيفة معينة، أو راتب معين، أو لقب معين قبل اسمه. يستيقظ باكرًا، يؤجل أشياء كثيرة، يقنع نفسه أن التعب مؤقت وأن الوصول سيستحق كل هذا. ثم يصل. وفي اللحظة التي كان ينتظرها، يشعر بفراغ صغير لا يستطيع تفسيره. يسأل نفسه سؤالًا لم يكن يتوقعه: لماذا كنت أريد هذا أصلًا؟
ليست هذه لحظة نادرة. كثيرون يصلون إلى أهداف عملوا من أجلها طويلًا، ثم يكتشفون أن الفرح الذي توقعوه لم يأتِ بالحجم نفسه، أو لم يأتِ أصلًا. المشكلة هنا ليست في الهدف نفسه، بل في سؤال أعمق قلّما نطرحه على أنفسنا قبل أن نبدأ السباق:
من أين جاءت هذه الرغبة أصلًا؟
من أين تأتي رغباتنا؟
نحن لا نولد ونحن نريد وظيفة مرموقة، أو منزلًا بمواصفات معينة، أو عددًا معينًا من المتابعين. هذه الرغبات تتكوّن بمرور الوقت، من مصادر لا نلاحظها غالبًا لأنها تتسلل إلينا ببطء شديد.
العائلة تزرع فينا فكرة مبكرة عمّا يعنيه "أن تنجح في الحياة". المدرسة تكافئ نوعًا معينًا من التفوق وتتجاهل أنواعًا أخرى. المجتمع من حولنا يمنح احترامًا أكبر لأشخاص معينين بسبب مهنهم أو مظهرهم أو دخلهم. ثم تأتي المقارنة، حين نرى زميلًا أو قريبًا وصل إلى شيء ما، فنشعر أننا يجب أن نصل إليه أيضًا، دون أن نسأل: هل أريده أنا، أم أريد فقط ألا أبدو أقل منه؟
والسوشيال ميديا تضيف طبقة أخرى. فجأة أصبحنا نرى عشرات النماذج لما تعنيه "الحياة الجيدة" في اليوم الواحد: هذا افتتح مشروعه، وتلك سافرت إلى مكان جديد، وذاك اشترى شيئًا لم نكن نعرف أننا نريده حتى رأيناه. لا أحد يجبرنا على تبني هذه الأهداف، لكنها تتسرب إلى داخلنا بهدوء، حتى تبدو وكأنها اختيارنا نحن.
النتيجة أن كثيرًا مما نسميه "طموحي" هو في الحقيقة مزيج من رغبات استعرناها من أماكن متعددة، دون أن نتوقف لنفحص أيًا منها يخصنا فعلًا.
أن تريد شيئًا، أم أن تريد أن تكون من يملكه؟
هنا فرق دقيق يستحق التوقف عنده: هناك فرق بين أن تريد شيئًا لذاته، وبين أن تريد أن تكون الشخص الذي يُنظر إليه على أنه يملك هذا الشيء.
ربما لا يريد بعضنا المال نفسه، بقدر ما يريد الشعور بالأمان الذي يظن أن المال سيمنحه إياه. وربما لا يريد أحدهم الشهرة تحديدًا، بل يريد أن يشعر بأنه مهم، وأن وجوده يُلاحَظ. وربما يسعى آخر إلى وظيفة مرموقة لا لأنه يحب طبيعتها، بل لأنه يريد أن يثبت لعائلته، أو لنفسه، أنه "نجح" بالمعنى الذي تربّى على تصديقه.
هذه ليست حقائق مطلقة عن كل إنسان، بل احتمالات تستحق أن تُسأل، لا أن تُفترض. السؤال ليس: "هل هذا صحيح عني؟" بقدر ما هو: "هل هذا ممكن أن يكون صحيحًا عني، ولو جزئيًا؟"
فحين نطارد "الشعور" الذي نظن أن الشيء سيمنحنا إياه، بدلًا من الشيء نفسه، قد نصل إلى الهدف ونكتشف أن الشعور لم يأتِ معه. لأننا كنا نريد شيئًا آخر تمامًا، لكننا لم نمنح أنفسنا وقتًا كافيًا لنكتشفه.
مشكلة مقارنة مسارك بمسارات الآخرين
أحد أخطر ما تفعله المقارنة المستمرة أنها تجعلنا نستعير أهدافًا ليست لنا، دون أن نشعر بأننا استعرناها. حين نرى نموذجًا ناجحًا لحياة معينة عشرات المرات، يبدأ عقلنا بالتعامل معه كأنه المعيار الطبيعي للنجاح، حتى لو كان بعيدًا كل البعد عمّا نريده فعلًا نحن.
المشكلة ليست في أن ترى نجاح غيرك. المشكلة أن ترى نجاح غيرك بشكل متكرر لدرجة أنك تنسى أن تسأل: هل هذا المسار يناسبني أصلًا؟ فتجد نفسك تركض في اتجاه لم تختره بوعي، فقط لأنه الاتجاه الذي يبدو أن الجميع يركضون فيه.
ليس كل من يسير في نفس الطريق يسير إليه بنفس السبب.
ليس كل طموح مزيفًا
مع ذلك، من المهم ألا يتحول هذا الكلام إلى نفي كامل للطموح. ليس كل هدف نسعى إليه هو صدى لصوت شخص آخر. بعضنا يحب فعلًا ما يعمل عليه، ويريد فعلًا ما يسعى إليه، ويؤمن به إيمانًا حقيقيًا لا علاقة له بإرضاء أحد.
المشكلة الحقيقية ليست في امتلاك طموح كبير. المشكلة في أن نسعى إليه دون أن نعرف مصدره. لأن الهدف نفسه قد يكون جيدًا، لكن السبب وراءه هو ما يحدد ما إذا كان سيمنحنا الرضا الذي ننتظره، أم سيتركنا في اللحظة نفسها التي وصلنا فيها إليه، نسأل: والآن؟
أسئلة تكشف مصدر طموحك
لا توجد إجابة سريعة تخبرك بيقين إن كان طموحك نابعًا منك أم من الآخرين. لكن بعض الأسئلة، حين تُسأل بصدق، تكشف الكثير.
لو لم يعرف أحد بما حققته، هل ما زلت أريده؟
هذا السؤال يفصل بين رغبة الإنجاز ورغبة الاعتراف. أحيانًا نكتشف أن جزءًا كبيرًا من حماسنا لهدف ما كان مرتبطًا بلحظة إخبار الآخرين به، لا بالإنجاز نفسه.
لو لم أستطع نشره أو إخبار أحد به، هل سيظل مهمًا بالنسبة لي؟
سؤال قريب من السابق، لكنه يذهب أبعد قليلًا: هل قيمة الهدف تكمن في تجربته، أم في عرضه؟
هل أريد النتيجة نفسها، أم الصورة التي ستمنحني إياها أمام الآخرين؟
أحيانًا نريد "أن نكون شخصًا ناجحًا في أعين الناس" أكثر مما نريد الحياة اليومية التي يفرضها هذا النجاح فعليًا.
لو لم يقارنني أحد بغيري، ماذا كنت سأختار؟
هذا السؤال يزيل ضغط المقارنة مؤقتًا، ويسمح لك برؤية ما تريده حين لا يكون هناك أحد لتقاس نفسك به.
هل هذا الهدف يجعل حياتي التي أريدها أفضل، أم يجعل صورتي أمام الآخرين أفضل؟
سؤال أخير يعيد التركيز إلى المكان الصحيح: حياتك اليومية الفعلية، لا الانطباع الذي تتركه عنها.
خاتمة
لا أحد يطلب منك أن تتخلى عن طموحك. ولا أحد يملك إجابة جاهزة عن أي جزء منه يخصك حقًا، وأي جزء منه استعرته دون أن تشعر. هذه أسئلة تُعاش بها، لا تُحسم في جلسة تفكير واحدة.
لكن هناك سؤال يستحق أن يبقى معك، تعود إليه بين الحين والآخر، كلما شعرت أنك تركض بسرعة نحو شيء لا تعرف بالضبط لماذا تريده:
إذا اختفت أعين الناس، والمقارنات، والتوقعات، ماذا سأظل أريد؟
ربما الإجابة لن تتغير كثيرًا. وربما تتغير كليًا. المهم أنك سألت.
إذا أعجبك هذا النوع من الكتابة التي تدفعك للتوقف والتفكير، يمكنك الاشتراك في نشرة Verse البريدية لتصلك مقالات مشابهة أولًا بأول.
شكرًا لقراءتك حتى هنا، ونراك في المقال القادم.


